العزلة والصمت .. العلاج النفسي القديم
عندما بلغ رسول الله صلى الله وعليه وسلم عمر الأربعين كان يخلو لوحده
في غار حراء. وكان في صمته المهيب عليه الصلاة والسلام يتفكرُ في هذا الكونِ
الشاسع، وفي هدوءِ الليلِ البهيم، وفي صمتِ المكان حيثُ لا صوت إلا صوت الطبيعة!
نعم لا صخب للبشر في هذا المكان. إنهُ صمتٌ يجمع شتاتَ هذهِ الروحُ في ظُلُمَاتِ
الحياة.
إنها لحظاتٌ رهيبة
مهيبة! تجدُ نفسكَ مذهولاً متأملاً في هذا الخلق العظيم، وخاشعًا لهذا الإله
العظيم الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.
كان صلى الله وعليه وسلم كما أخبرت زوجهُ عائشة رضي الله عنها يتعبدُ الليالي ذوات العدد في غارِ حِراء.
ثُمَّ حُبِبَ إليهِ الخلاء؟
هذه من كلمات عائشة رضي الله عنها وقد وقعت في قلبي؛ فقد
أحب صلى الله عليه وسلم هذه الخلوة
النفسية لأنهُ وجد فيها قوةً وسكينة.
لقد مَنَّ اللهُ عليه بهذا العلاج قبل بعثته الكريمة
ليجمع شتاتَ روحهِ من بينِ ضلالاتِ قريش الجاهلة "وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى". أرادَ اللهُ لنبيهِ أن يتفرغَ قلبهُ من
كُلِّ أحد، وليقطعَ تعلقهُ بالبشر، ليفرغَ عقلهُ من أفكارٍ جلبتها هذه الحياة.
اتخذَ مكانًا بعيدًا لينقطع مؤقتًا عن هذهِ الحياة
وأعبائِها التي لا تنتهي، نعم مؤقتًا استجماعًا لقواهُ الفكرية ومشاعرهُ الروحية
وإحساساته النفسية.
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
مكان للتأمل
لا ملاهي ولاشواغل.. تنظرُ في ارجاءهِ
فلا ترى إلا جبالاً مهيبة خاضعةً لخالقها, وسماءٌ صافية كأنها
تناديك من بعيد بأنَّ هناكَ اتساعًا وفرجًا ولو ضاقت عليك نفسك.
كان هذا الصمت لونًا مميزًا لتطهيرِ هذهِ الروح وإعدادها من جديد. فهذه الروح
تتعب كما يتعب الجسد.
ثُمَّ ماذا حدث بعد هذه الخلوة؟
حدثٌ ضخم .. إنها أعظم لحظة تاريخية مرت على البشرية في تاريخها
الطويل.. إنها بدايةُ دينٍ جديد اسمهُ: الإسلام.
وكأنها رسالة: قبل أي أمرٍ عظيم اخلُ بنفسك أيها الإنسان!
لماذا الصمت في الطبيعة
علاجٌ نفسي؟
تخفيض القلق والإكتئاب- رؤية أوضح للذات - الانضباط الذهني - تحكم أكبر بالعواطف
اليقظة الذهنية:
لعل هذه العزلة
تسمى حديثًا: اليقظة الذهنية Mindfulness وهي حالة عقلية مرنة تتمثل في الانفتاح على الجديد {Langer,2002}.
وتعرف بأنها: التركيز على
الآن والحاضر بدلاً من التركيز على مافات بالماضي أو القلق على المستقبل دون إصدار
أحكام تقييمية {Cardaciotto et
2008}.
كما خرج مؤخرًا علاج نفسي
معرفي مبني على هذه المهارة مصمم لعلاج كثير من الاضطرابات النفسية.
وداعًا للوهن النفسي؟
في هذه العزلة والصمت
وممارسة مهارة اليقظة الذهنية كما تعلمتها من معالجك النفسي ستشحن طاقتك النفسية
وسيرحل هذا الوهن النفسي شيئًا فشيئًا.
ستقوم في هذه العزلة
بإيقاظِ هذه الروح من نومها وتذكيرها بالتركيز على الآن فقط.
هل أنت شخص حساس؟
الحساسية المفرطة من
الآخرين وأقوالهم وأفعالهم لعلهُ من أبرز المشكلات النفسية المعاصرة خصوصاً ما ألمَسُهُ
ويلمسهُ غيري من زملاء المهنة في الاستشارات.
في هذه العزلة وفي حضرةِ
الطبيعة ستوجه هذه الحساسية إلى جسدك وماحولك من البيئة, وسيخف تحسسك من الآخرين
الذي أرهقك.
تقبل؟
التقبل بوابة الشفاء بإذن
الله .. تقبل نفسك المرهقة, تقبل ماضيك, تقبل أفكارك, تقبل مخاوفك, تقبل أسرتك
بعيوبها.
تصالح لاتقاوم داخليًا
وتزيد الوهن الداخلي.. طبيعي شعورك بهذا الضعف فأنت بشر ويعتريك مايعتريهم.
دع كل مؤذي يرحل بسلام ..
ستقضي في هذا الصمت على
جمودك النفسي,على روتينك القاتل,على أفكارك المعطلة لسلامك الداخلي.
ستنتقل بكل إختصار من
سجنِ عقلك الضيق إلى فضاء الطبيعة الواسع..
يالله على الحرية النفسية
التي ستشعر بها ..
فوائد جسدية للعزلة واليقظة الذهنية:
رفع المناعة - علاج إدمان التدخين - تخفيض الألم المزمن - تحسين جودة الذاكرة - تحسين جودة النوم Duerr,2008
كيف تؤدي هذه المهارة بشكلٍ سليم؟
تذهب إلى مكان يتميز بهدوءه وبعده عن الناس.
|
خذ ماتحتاج من ماء
وقهوة وسناكات خفيفة؛ حتى لاتكون في حالة جوع أو شبع مفرط.
|
اقفل جميع منافذ تواصلك بالآخرين وخصوصاً الجوال ويفضل عدم
إحضاره.
|
تأمل ماحولك من طبيعة.
|
لا تصدر أي أحكام على نفسك وأفكارك ومشاعرك تقبل كل ما فيك.
|
ركز على جسدك وعلى
الحاضر الآن فقط.
|
تنفس بشكل استرخائي وهديء من مخاوفك فأنت الآن في أمان لأن
هناك من يراقبك بعناية؟ إنك في عناية الشافي المعافي سبحانه وتعالى فثق به.
|
عند شرود ذهنك ارجعه
بهدوء وركز من جديد؛ وهذا أمر طبيعي لأنك لم تتعود.
|
في نهاية عزلتك ركز على تجربتك الحسية واشعر بالامتنان لكل
نعمة فيك.
|
ختامًا عزيزي القاريء ..
لا أزعم أن هذا هو العلاج
الوحيد للاضطرابات النفسية ومشاق الحياة, لكنه علاجٌ فعال ودرعٌ حصين ..
فأنت في هذا العلاج ترجع
إلى الأصل وتتأمل عظيم صُنع الإله العظيم في نفسك وماحولك من مخلوقات ..
وصدق الله :
أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ
وأقترح عليك إذا أردت
الطريقة السليمة أن تبدأ رحلة العلاج النفسي مع معالجٍ نفسيٍ أمين حتى يساعدك
بطريقةٍ علمية..
سترجع إليك نفسك فلا
تبتئس ..
وستُشفَى وعندها قُل:
أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
طارق بن عبيد العصيمي
1441هـ
تعليقات
إرسال تعليق